ابن عربي
56
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
ربك ، كما أن ربك علمك وعلم العالم بعلمه بنفسه ، وأنت صورته ، فلا بد أن تشاركه في هذا العلم ، فتعلمه من علمك بنفسك ، إذ كان الأمر في علم الحق بالعالم علمه بنفسه ، فمن رحمة اللّه تعالى بالإنسان أن أشهده أولا نفسه ، فرأى في نفسه قوى ينبغي أن لا تكون إلا لمن هو إله ، فلما حقق النظر بعقله ، ونظر إلى العوارض الطارئة عليه بغير إرادته ، ومخالفة أغراضه ، ووجد الافتقار في نفسه ، علم قطعا أن عين وجوده شبهة ، وأن هذه الصفات لا ينبغي أن تكون إلا لمن هو إله ، فنفى تلك الألوهة التي قامت له من نفسه ، ثم إنه لما أمعن النظر وجد نفسه قائما بغيره ، غير مستقل في وجوده ، فأوجب وأثبت بعد أن نفى ، فقال : لا إله إلا اللّه ؛ وهو قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : [ من عرف نفسه عرف ربه ] فانظر ما ألطف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بأمته ، وما أحسن ما علمهم وما طرّق لهم ، فنعم المدرس والمطرق ، جعلنا اللّه ممن مشى على مدرجته حتى التحق بدرجته ، آمين بعزته - الوجه الخامس - اعلم أن اللّه لما سوّى جسم العالم ، وهو الجسم الكل الصوري ، في جوهر الهباء المعقول ، قبل فيض الروح الإلهي الذي لم يزل منتشرا غير معين ، إذ لم يكن ثمّ من يعيّنه ، فحيي جسم العالم به ، والعالم إنسان كبير ، وهو ليس كذلك إلا بوجود الإنسان الكامل الذي هو محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، ومرتبته صلّى اللّه عليه وسلّم من العالم مرتبة النفس الناطقة من الإنسان الكامل ، الذي حاز درجة الكمال بتمام الصورة الإلهية في البقاء والتنوع في الصور وفي بقاء العالم به ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : [ من عرف نفسه عرف ربه ] إذ كان الأمر في علم الحق بالعالم علمه بنفسه ، وهذا نظير قوله تعالى : « سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ » فذكر النشأتين ، نشأة صورة العالم بالآفاق ونشأة روحه بقوله : « وَفِي أَنْفُسِهِمْ » فهو إنسان واحد ذو نشأتين « حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ » للرائين « أَنَّهُ الْحَقُّ » أي أن الرائي فيما رآه الحق لا غيره - الوجه السادس - لما نصب الحق الأدلة عليه ، نصبها في الآفاق على وجوده خاصة ، فما نابت الآفاق في الدلالة عليه بما جعل فيها من الآيات منابه لو ظهر للعالم بذاته ، فخلق الإنسان الكامل على صورته ، ونصبه دليلا على نفسه لمن أراد أن يعرفه بطريق المشاهدة ، لا بطريق النظر الفكري الذي هو طريق الرؤية في الآفاق ، وهو قوله تعالى : « سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ » ثم لم يكتف بالتعريف حتى أحال على الإنسان الكامل حتى قال : « وَفِي أَنْفُسِهِمْ » وهنا قال : « حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ » أي أن ذلك المرئي هو الحق ، فالآيات دلالات عليه وعلينا ، وكذلك